أحمد بن علي القلقشندي
319
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
فلو كنت ذا حزم شددت وكاءه كما شدّ جربان الدّلاص قيون ( 1 ) فما مضى إلا أيام حتّى بلغ جريرا الخبر ، فقال فيه هذين البيتين . قال : وهذا من أغرب ما يكون في هذا الموضع وأعجبه ؛ قال في « الصناعتين » : وإذا كان القوم في قبيلة واحدة ، في أرض واحدة ، فإن خواطرهم تقع متقاربة ، كما أن أخلاقهم وشمائلهم تكون متضارعة . قال في « المثل السائر » : ويقال إن الفرزدق وجريرا كانا ينطقان في بعض الأحوال عن ضمير واحد . قال : وهذا عندي مستبعد ، فإن ظاهر الأمر يدل على خلافه ، والباطن لا يعلمه إلا اللَّه تعالى ، وإلا فإذا رأينا شاعرا متقدّم الزمان قد قال قولا ثم سمعناه من شاعر أتى من بعده ، علمنا بشهادة الحال أنه أخذه منه ؛ وهب أن الخواطر تتفق في استخراج المعاني الظاهرة المتداولة ، فكيف تتفق الألسنة أيضا في صوغ الألفاظ ؟ وكلام العسكريّ في « الصناعتين » يوافقه بالعتب على المتأخر ، وإن ادّعى أنه لم يسمع كلام الأوّل في مثل ذلك . القسم الثاني ما وقع الاتفاق فيه في المعنى وبعض اللفظ ، وهو على ضربين الضرب الأوّل ما اتفق فيه المعنى وأكثر اللفظ كقول امرئ القيس : وقوفا بها صحبي عليّ مطيّهم يقولون لا تهلك أسى وتجمّل وقول طرفة : وقوفا بها صحبي عليّ مطيّهم يقولون لا تهلك أسى وتجلَّد
--> ( 1 ) الوكاء : ما يشدّ به الكيس وغيره ؛ جربان وجرّبان الدرع والقميص : جيبه ؛ الدلاص من الدروع : اللَّينة ؛ القيون : جمع قين وهو الحداد .